محمد بن جعفر الكتاني

179

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

أخذ عن ابن عاشر ، والعارف الفاسي ، وأبي العباس ابن القاضي ، وأبي العباس المقري ، وأبي الحسن علي بن قاسم البطوئي ، وأبي القاسم بن محمد بن أبي النعيم الغساني ، وأبي عبد اللّه محمد بن عبد الوهاب ابن إبراهيم الدكالي ، وأبي عبد اللّه محمد بن محمد البوعناني . . . وغيرهم . وفي " الصفوة " : « إنه كان يقول : كنت أجلس بمجلس المقري ؛ فآخذ العلم كله واضحا ، فإذا جلست بمجلس ابن عاشر ؛ وجدته كله مشكلا . قال : يشير إلى أن المقري كان حافظا لا يتعقب المسائل ، وابن عاشر كان نقادا ؛ يحك المسائل حتى يستنبط منها أمورا تنشط الأنظار ، وتحير الأفكار » . ه . وأخذ عنه جم غفير ، وعالم كثير ، وأذعن له منصفو أهل عصره ، ولهج به كثير من أهل مصره ، وأقبل الناس على تآليفه من فاضل ومفضول ، وتلقوا تقريراته كلها بالقبول ، وعم نفعها في البلاد ، وشاع فضلها في العباد . فمنها : شرحاه على " المرشد المعين " الأكبر ، والأصغر ، و " زبدة الأوطاب في اختصار الحطاب " ، وشرح " التحفة " ، و " اللامية " ، وحاشية البخاري اختصر فيها المقدمة لابن حجر مع زوائد ؛ سماها : " معين القاري لصحيح البخاري " ، وتذييل " المنهج المنتخب " وشرحه ، و " نصيحة المغترين في الرد على ذوي التفرقة بين المسلمين " . . . ، وغير ذلك من التقاييد والأجوبة . وكان - رحمه اللّه - حريصا على العلم وتحصيله ، ونشره للناس وتفصيله ، متقشفا يتقوت من حلي من لباس النساء كان يكريه في الأعراس ، وناله أذى من طلبة وقته ، ونسبوه لعدم الثقة في النقل حسدا ، فأعرض عنهم وأقبل على شأنه . توفي بعد ضحى يوم الثلاثاء ثالث جمادى الثانية سنة اثنين وسبعين بتقديم السين وألف . ودفن بدار بأقصى درب الطويل صارت بعده روضة معدة لدفن الأموات ، وأضيف إليها ساحات ؛ فصارت مقبرة كبيرة ، وبني على قبره بها قبة ، وجعل عليه دربوز وكسوة . وعند رأسه رخامة مكتوبة نصها : « أعوذ بالله من الشيطان الرجيم [ 166 ] ، بسم اللّه الرحمن الرحيم ، كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ . [ الرحمن : 25 ] . هذا ضريح الشيخ الإمام ، العالم العلامة الهمام ، الخير الدين البركة ، المتوسل به إلى اللّه في السكون والحركة ، صاحب التواليف المفيدة ، والفتاوي العديدة ، الزاهد العابد الناسك ، آخر من حمل بفاس على كاهله لواء مذهب مالك ؛ أبو عبد اللّه سيدي محمد بن أحمد بن محمد الشهير بميارة . ولد - رضي اللّه عنه - ليلة النصف من رمضان المعظم عام تسع وتسعين وتسعمائة ، وتوفي - رحمه اللّه - ضحوة يوم الثلاثاء الثالث من جمادى الثانية سنة اثنين وسبعين وألف ، نفعنا اللّه والمسلمين ببركاته آمين » . ه .